نزار المنصوري
441
النصرة لشيعة البصرة
الأهواء ، لا يعرفون من الخير إلّا ما يشبع الشهوة ويملأ البطن ، ولا من الفضيلة إلّا المداجاة والنفاق ، والمعاداة والشقاق ، ولا من الإحسان إلّا ما يستخدم الإنسان ، ويقطع اللسان ، وكان بطل الرواية يقيم من شهادته دليلا ناصعا ، وبرهانا ساطعا على أن الموت أفضل الوسائل للحياة الأبدية ، والعزة السرمدية . لقد عاش عليّ بين الناس غريبا ، وليست غربته غربة الأهل والوطن ، لكنها غربة الرجل الفرد الذي لا ثاني له في سموه ، ولا ندّ له في شأوه وعلوه مثله في ذلك السمو مثل الطود الأشم بين الهضاب ، ينحدر عنه السيل ، ولا يرقى إليه الطير ، فمن أجل ذلك قلّ صديقه ، وكثر عدوه ، وجار حاسده ، وعز نصيره ، ولج خصمه ومعانده . لقد كان عليّ ينادي بين قومه نداء الغريب الذي عدم الناصر ، وفقد المعين : « أين إخواني الذين ركبوا الطريق ، ومضوا على الحق ؟ أين عمار بن ياسر ؟ وأين ابن التيهان ؟ وأين ذو الشهادتين ؟ وأين نظراؤهم ؟ » وتسيل من عينه دمعة على كريمته تنم عن شعور عميق بالغربة الموحشة التي تمنّى من أجلها الموت . « اللهم أبدلني بهم خيرا منهم ، وأبدلهم بي شرا مني » . هكذا كان عليّ يقول بعد أن رأى ما رأى من خصومه من الأود واللدد . وقد استجاب اللّه دعاءه بشطريه . فلحق بربه نقي الثوب طاهر الجيب موفور الكرامة ، وترك من ورائه أمة تكابد الهوان ، وتسام الخسف ، لأنها أمة أخرت حظها ، وخسرت رشدها . « فزت ورب الكعبة » . إنها كلمة النفس المطمئنة التي ترجع إلى ربها راضية مرضية ، فتدخل في عباده ، وتدخل جنته . إنها كلمة البطل الذي انتصر بالموت على الحياة ، فمات وهو على يقين أن لو كشف الغطاء ما ازداد يقينا ، مات بعد أن ملأ الدنيا بطولة وشجاعة وبلاغة وفصاحة ، وعلما جما يتصل بالحياة ، ويبقى مع الدهر .